• إنسانية الثورة
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

      عدد القراءات :1866 -   2011-11-15

    يقول ضابط وطني عفوي:
    ـ لنفتك بكل من بقي منهم .. فقد فتكوا بأهلنا في الكرنتينا والمسلخ.
    ويرد القائد:
    ـ انتهت المعركة ، وقد أعطيت الأوامر ، بتجمع الأهالي كلهم في الكنيسة حفظاً لحياتهم ..
    ويبتسم الضابط الوطني:
    ـ سنحرقهم بالجملة !!
    ويرد القائد:
    ـ وأعطيت الأوامر بأن يرمي بالرصاص أي شخص كان ، يحاول الاقتراب من الكنيسة وإيذاء المستسلمين .. ويتعجب ذاك الضابط:
    ـ لكنكم شيوعيون حمر.
    ويرد القائد:
    ـ والشيوعية هي المبدأ الأكثر إنسانية، وبالفعل وبالقول. هي المبدأ الذي وضع هدفه تحرير الإنسان من اضطهاد الإنسان ، تحرير الإنسان من هذا الضياع الذي يعانيه نتيجة استغلاله .. تحرير الإنسان من هذا الاستلاب الوحشي الذي أمات إنسانيته .. وحتى يتحرر الإنسان لا بد من الثورة التي تزيل المستغل وتحطمه ..
    ـ ألن تحرقهم إذن؟
    ـ سيقتل كل شخص يمد يده إلى المستسلمين ...
    وبدأت وفود الأهالي تتحرك باتجاه الكنيسة، الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، وفي الكنيسة كان قادة القوات المسلحة الثورية بانتظارهم، لاستقبالهم، لتطمينهم، لحمايتهم .. و وضعت الحراسات المشددة، وأعطيت الأوامر المشددة لمقابلة أي موتور تسلل إلى الثورة لتحقيق أحقاده وللتفتيش عن أمراضه. ولم يصدق الأهالي .. كان الأطفال يبكون، وكانت النساء تبكي، وكان الشباب والشيوخ يرتعدون خوفاً، لكن شيئاً فشيئاً، بدأوا يصدقون بدأوا يقنعون بأن هذه الثورة لم تعش كل هذه السنوات إلا بإيمانها بحقها إلا بإيمانها بالإنسانية . وبدءوا يتساءلون .. فجاء القائد ، تلو القائد ، ليتحدث عن الجرائم التي ارتكبت باسمهم.
    ويتساءل أديب:
    ـ أحقاً ... لن تقتلونا . أحقاً؟
    ويبتسم القائد .. ويطلب سيارة فوراً، لتوصله إلى المكان الذي يريد .. ليمسك قلمه ليحكي الحقيقة ... حراً إلى المكان الذي يريد .. ليمسك قلمه ليحكي الحقيقة .. حراً .. أينما شاء .. إن كان يملك منطق الحقيقة، منطق الواقع  وصدقه .. وإخلاصه . ليكتب عن الحقيقة .. حقيقة إنسانية الثورة .. إنسانية القوات المسلحة الثورية.
    وتأتي الأخبار عن قسم آخر من الأهالي يهربون بالزوارق ويصدر الأمر، بعدم إطلاق النار على السفن.
    ويتساءل مقاتل بغضب:
    ـ كيف تأمرون بهذا الأمر؟ إن المقاتلين الانعزاليين الذين نتعقبهم يهربون بأسلحتهم ، بين النساء والأطفال ..  ويرد القائد:
    ليهربوا .. لكن لن نقتل طفلاً بسبب هارب جبان ..
    سيعودون ليقاتلونا ..
    لقد خرجوا من المعركة هنا .. وهذا يكفينا ..
    ولكنهم قتلوا شبابنا .. وهذا يكفينا ..
    ولكنهم قتلوا شبابنا .. وقبلها قتلوا الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال على الحواجز وهذا هو الفرق بيننا .. هذا هو الفرق بين أهدافنا الثورية أهدافنا الإنسانية .. وأهدافهم الحاقدة، الفاشتية ... هذا هو الفرق بين الكره الأعمى والثورة .. هذا هو الفرق بين المجرم والثائر !!
    وتحمل الزوارق الأهالي ، وعندما يشعر بعض المقاتلين بأن النيران لا تصب على هذه الزوارق ، يتسللون من جحورهم كالفئران ليختبئوا بين الأطفال ... بقعر الخشب وأنوفهم بين الأقدام مرتجفين .. بعد هربهم من المعركة.. هربهم من جرائهم التي ارتكبوها بكل جبن وخسة.
     
    تسليم السعديات
    كانت القوات المسلحة الثورية وقوات الثورة على طريق ملتقى النهرين قد أدت دورها واحتلت الجسر الذي كان الانعزاليون يقيمون عليه الحرائق البشرية .. وأصبح عليها بعد أن التقت بالقوى التي احتلت الدامور، مشكلة قوة مشتركة ، أصبح عليها أن تتابع مهمتها التالية، وكانت مهمتها المشتركة التي استطاعت تحرير الجيه في الآن نفسه والتي عليها أن تتابع الهجوم من الجنوب ، لتشكل كل القوى طوقاً محكماً يخنق القوى المعادية التي انسحبت من كل مواقعها ، في الجيه، وفي الدامور، للتجمع في السعديات وفي قصر سفير الاستعمار في وطننا، في قصر وكيل أعتى الشركات الاحتكارية، في قصر أكبر منفذ لما تفرضه ولما تريده الامبريالية.
    ووجه الإنذار للسعديات لتفتح الطريق أمام قواتنا.. فجاء الجواب سريعاً من القوى المهزومة والتي تحطمت معنوياتها و إرادتها بالموافقة على أن تعطي مهلة ..
    وأعطيت المهلة المطلوبة لا يقصد منها إلا فسح المجال للقوى المعادية حتى تستطيع الهرب بتلك البواخر التي تجمعت لالتقاط الزوارق الصغيرة المملوءة بالمقاتلين الجبناء والمختبئين بين الأطفال والنساء.
    وكما في كل مرة يلجأ الفاشيست إلى استغلال إنسانية الثورة، فإذا بالمهلة المطلوبة، مهلة لوصول كتيبة الدبابات التي طلبت من معسكرات الجيش .. ويسرع قائد هذه الكتيبة ملبياً، ومتحركاً من قواعده ويهب بوجهه الرفيق الشهيد الملازم الأول يوسف برو قائد إحدى سرايا هذه الكتيبة في الطريق، مثبطاً من عزيمته ، محطماً اندفاعه، باثاً الخوف في نفسه .. باثاً القلق في جوانحه.. باثاً اليأس في قناعته، المترجرجة . وينجح القائد الشجاع يوسف بإيقاف ذاك الاندفاع في خلده، ثم ينجح بما أعد له وبما خطط له، وهو يواجه الضباط الانعزاليين بالضباط الوطنيين، فإذا بالكتيبة تنقسم على نفسها.. وإذا بالقادة الانعزاليين يجدون أنفسهم أمام الواقع المر وهم الذين حسبوا أن هذا الجيش اللبناني الذي أعدوه وصنعوه ليكون أداء هذه المهمة الفاشية ، وإذ به يعلن عصيان الأوامر الموجهة ضد الشعب .. فيرتدون حانقين إلى مناطقهم .. ويبقى الوطنيون في خلده مع سلاحهم، لينضموا فيما بعد إلى الثورة ...
    وكما في كل مرة ، يلجأ الفاشيست إلى استغلال إنسانية الثورة، فإذا بالمهلة المطلوبة مهلة لوصول الدبابات ... ولما فشل استدعاء هذه الدبابات .. أصبحت مهلة لوصول الطائرات وجاءت الطائرات وجاءت لترمي صورايخها فوق مقاتلينا.. محاولين إيقاف هجومنا دون جدوى ... أربع ساعات من الرماية الصاروخية .. وقواتنا تتابع زحفها، مزيدة من ضغطها .. مجددة قتالها .. إلى أن شعر العدو بأن طريق الثورة لا يمكن إغلاقه .. وتبدأ المفاوضات .. ويسود الهدوء.
    ويقول أحد قادة الانعزاليين الذي جاء ليفاوض:
    الحقيقة نحن لم نقاتل.
    ويرد عليه أحد المسالمين من قادة الثورة الفلسطينية، محاولاً تهدئة الجو .. و يتململ المقاتل الثوري ، ثم يقول:
    لقد قاتلتم بكل قوتكم .. لكنكم فشلتم ..فلماذا تتهرب من الحقيقة؟ وماذا تعني بقولك؟ إنك تمثل المنهزمين .. وقد جئت لتفاوض على التسليم .. فلا داعي للتهرب عبر مناورات مزيفة.
    ويقول القائد الانعزالي:
    من الأخ؟
    إنه واحد من قادة الجبهة الديمقراطية ..
    آه .. الشيوعيون ! الحق معك هذا واضح من لهجتك وكلماتك .. ماذا تريد؟ ما هي شروطك؟
    شروطي .. هي تسليم السعديات .. تسليم السلاح.
    ـ والمدنيون ...
    نسمح لهم بالخروج إلى أي مكان يختارونه ، لأن بقاءهم هنا سيشكل مضاعفات، ولا بد أن يغادروا المكان لتحفظ حياتهم؟
    أتضمن ذلك؟
    اضمن ..
    كيف؟
    يمنع هذا الرحيل عبر البحر، لان هذا الرحيل سيوصلهم إلى المنطقة الشرقية مما يؤكد هذه النزعة الطائفية وهذا التجمع الطائفي. ويجب إيقاف هذا الرحيل ، لأننا ضد هذا الخروج إلى مناطق الانعزاليين .. وستؤمن السيارات التي تقلهم إلى بيروت أو الشويفات أو إلى أي منطقة يريدون.
    إنني أوقع على ذلك ...
    وبدأ المدنيون يتحركون ليجتمعوا ، لتقلهم سيارات القوات المسلحة الثورية إلى القرى المجاورة .. وبدأت قوات الثورة تتحرك لتدخل السعديات .. مطهرة القرية من بعض الفاشيست الذين رفضوا الاستسلام أو الاتفاق ..
    ليطلقوا النار على المتقدمين فإذا ما فتحت النيران باتجاههم تحركوا هاربين .. ليظهروا من جديد بين النساء مختبئين كالأطفال مرتعدين خوفاً، وظنهم أن الثورة ستعاملهم بنفس الطريقة التي عاملوا بها الأهالي المضطرين للمرور بالسعديات أو بالدامور يوم أن كانوا يقيمون حواجزهم الفجائية .. ولكنهم عرفوا أخيراً بأن الثورة أكبر من نفوسهم الصغيرة وأكبر من أحقادهم ..
    وتلاقت القوات المتقدمة من الشمال مع القوات المتقدمة من الجنوب والشرق .. وامتلأت النفوس حزناً، والرفاق يذكرون أسماء الشهداء الذين ضحوا بحياتهم .. على أرض المعركة .. ثم تلاقت الأيدي بحزم، بعزيمة مجددة العهد .. مجددة الأمل ...

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة

معرض الصور