• الحرب الأهليه في لبنان (معركه الدامور الثانيه)
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

      عدد القراءات :2665 -   2011-10-15

    ثلاثة أيام، والقوات المسلحة الثورية تجهز نفسها للمعركة الجديدة. لقد كشف الهجوم الأول قوة الانعزاليين الإضافية، وكشف توزع هذه القوى، ومدى فعاليتها، مع ذلك كانت الخسارة قليلة جداً على الرغم من أن العدو توقع أن يكون الهجوم من بعورتا، وحضر قواته وركز دفاعه ليواجه هذا الهجوم. الخسارة كانت قليلة لأن الفدائيين توقفوا عن الهجوم وهم يرون سداً زاحفاً من النيران يتجه نحوهم، وانتشروا إلى أن سكتت النيران، وعادوا ليتجمعوا من جديد ، وها هم جاهزون لخوض المعركة.

    جمع العدو قوة كبيرة ليدافع عن الدامور. فإلى جانب الأهالي المسلحين، كانت قوة ضخمة من الكتائب قد جاءت إلى البلدة عن طريق البحر، كما فرز الجيش سريتين من سراياه: الأولى سرية من المغاوير، والثانية سرية من الرمايات ، كما سمح القادة الانعزاليين للعناصر بمغادرة قواعدها في السعديات وفي سواها للمساعدة في القتال، بسلاحهم وذخيرتهم.
    وقد كثفت الجهود الاستطلاعية لمعرفة عدد هذه القوات، وسلاحها وتوزعها، وخطتها الدفاعية، وقدراتها القتالية، وخطوطها الخلفية .. ووضعت الخطة المتكاملة لمواجهة العدو وللانتصار عليه بكل دقة.
    وصدر الأمر القتالي، وفيه كلفت القوات المسلحة الثورية التي قادت الهجوم من محور بعورتا ، كلفت بقيادة الهجوم الشامل على كل الدامور، كلفت من قبل قوات الثورة وكل قوات الحركة الوطنية، نتيجة لتقديرها المعروف لما تمثله هذه القوات، ونتيجة لتقديرها للمعركة الأساسية على المحور الصعب وإن فشلت تلك المعركة.
    صدر الأمر القتالي، وفيه كلفت القوات المسلحة الثورية بأن تقود كل المنظمات في خطة موحدة كبديل عن الخطة السابقة والمعتمدة على تقاسم المحاور فيما بينها، بشيء من التنسيق . وكإقرار بأن الطريق الوحيد للانتصار ، لا يكون إلا بتكثيف العمل الموحد، وإلا باعتماد الخط الثوري الواضح والصريح.
    وكان على قائد الهجوم أن يعد خطته متلافيا ً كل الأخطاء السابقة بحسب الإمكانيات المؤمنة .. وكم كان فرحة كبيراً وهو يجد أن قوته في البدء قد أصبحت تفوق عن كتيبة مقاتلي القوات المسلحة الثورية ومن مقاتلي الحزب الشيوعي ومنظمة العمل اللبنانيين ... وكم كان فرحه كبيراً وهو يجد المقاومة والحركة الوطنية تقدم له وحدات دعم كبيرة من حركة فتح ومن الرابطين .. وكم كان فرحه أكبر وهو يجد قوة أخرى تزيد السريتين من هذه القوى المشتركة توضع بين يديه كقوة احتياطية.
    وبدأت المعركة ...
    بدأت المعركة في الثانية صباح 18 ـ1ـ 76 ... بدأت بقصف مدفعي كثيف استهدف مراكز التجمعات المعادية والتي حددت بدقة كبيرة ليتابع حتى الساعة الخامسة .. ليشل القوى وليبددها، موقعاً بها أكبر الخسائر ..
    ولم يحدث ما كان متوقعاً بعد هذه الرماية الكثيفة، وخاب أمل الأعداء وهم يقبعون بيقظة، بانتظار الهجوم الذي يلي مثل هذا التمهيد الناري .. وطال انتظارهم حتى اقتنعوا بأن الهجوم لن يتم .. وأن تلك الرماية لم تكن ممهدة لاكتساح مواقعهم .. ولعلهم زادوا من فترة الانتظار .. ساعة أخرى ... ثم ساروا مبتعدين، ليتركوا حراسات مشددة تناوئ التراشق بالأسلحة الفردية والجماعية، كما حدث في الأيام السابقة من دون أن يخطر على بالهم أن نهايتهم قربت.
    وكانت سرية المغاوير قد انتقلت إلى البيوت المشرفة على حارة الناعمة، وتحركت قواتنا لتسلل إلى داخل الدامور، ولم تأت الساعة الثامنة إلا وكان الانعزاليين ، ولا تبعد عن مواقعهم الحصينة أكثر من مئة متر.
    وضعت الخطة بعدم مواجهة العدو من أمامه إلا ببعض القوى التي عليها أن تشاغله، ولتتقدم القوى الأساسية بعملية التفاف، تستهدف الوصول إلى مؤخرته، على حين تتقدم قوى مساندة أخرى لتقوم بعملية التفاف أوسع لتقطع طريق بعورتا ـ الدامور من مركز الهجوم.
    وفي الساعة التاسعة بدأ الهجوم لتحطيم سرية المغاوير المتواجدة على هذا المحور الأساسي.
    كانت المعركة ضخمة، فالعدو الذي استطاع رد الهجوم في المرة الأولى امتلأ بالغرور، مثلما امتلأ بالتبجج وبالنشوة، يوم أن دخل مرتزقوه المخيمات المنعزلة ليقتلوا النساء والأطفال، وليحرقوا ما يجدونه أمامهم ، وليحضروا الآليات لتسمح الأرض من بيوت التنك، ولتسوي الأرض فوق الجثث المهشمة.
    لم يكن يصدقوا أن هذه الهجمات سترتد عليهم، وفي أقوى محور من محاورهم، وفي أحصن قلعة من قلاعهم، بعد أن جمعوا كل تلك القوى الضخمة ليحشروها في الدامور وبعد أن كثفوا سلاحهم فيها بجميع عياراته وكأنهم يحسبون، أنه كلما تضخمت القوى وازدادت قطع السلاح و ازداد حجمه استطاعوا الحفاظ على وضعهم وعلى انتصارهم. ونسوا أن تلك المخيمات المنعزلة التي دخلوها، لم تقاتل، لأنه لا يوجد فيها إلا بعض الحراس المكلفين بحفظ الأمن .. نسوا أن القتال ليس معركة ضد جثث الأطفال ولا ضد أجساد النساء .. لا وليس بالحرق وبالتهديم ..
    قاموا وكأنهم يحسبون أنه كلما استمرت المعركة يئست القوى المهاجمة .. وكأنهم يحسبون أن الأمر سينتهي مع الصباح، فما أن تبزغ الشمس ، ألا ويتحرك المهاجمون بعيداً. لكن إرادة القتال كانت أقوى. وكانت الحماسة تملأ قلوب المقاتلين الذين اندفعوا بكل قوتهم خلف القائد . نعم لأول مرة . تخوض القوات المسلحة الثورية هجوماً بطريقة نظامية ، كما في أي جيش نظامي. وكانت الوسائل المستخدمة ضعيفة ، فالقائد يتصل بجنوده عبر مراسلين، ويتصل بهم بصوته وكأنه في معركة من معارك ثورة 1848 أو 1871 لكن هذه الوسائل أعطت نتيجة ضخمة، إذ ملأت نفوس المقاتلين بالشجاعة وبحب التضحية وهم يرون قائدهم أمامهم يخوض الغمار في المقدمة ..
    هذا .. أنه الفلسطيني الذي أجبرته قوى الاحتلال على مغادرة الضفة الغربية والذي أجبرته القوى الرجعية إلى مغادرة الأردن ليبقى مع ثورته ليبقى مناضلاً من أجل حقوقه .. إنه الفلسطيني الأكثر ثباتاً، الأكثر التحاماً بثورته، بقدرته، بندرته ، بجودته، بحماسه ... هذا وسواه.
    يتقدمون الصفوف، ويمرقون ، منذ فجوات النيران ليسقطوا فوق العدو ..
    ذاك ، آخر ، ترك الجيش الأردني، منذ زمن طويل منذ سمع نداء الثورة، كان يومها شبلاً ، وتحرق الشبل شوقاً ليكون فدائياً، وكان ينتظر الفرصة المناسبة ... وجاءت الفرصة والضابط المنتفخ كالبطل يدعو لاجتماع عاجل وليعاقبه بالسجن، لأنه أضاع أحد أزرار قميصه ... جاءت الفرصة والضابط الطبل يشتعل غضباً لضياع الزر، فهو محب للنظام، محب للانضباط .. وبالنظام والانضباط انتفخ كرشه .. وبنى قصراً ، واشترى سيارة جديدة .. أما الجندي الصغير فكان يحب أرضه،. وكان أمله وهو يرى العدو على أرضه قد أنساه كل الأزرار .. ويدخل السجن ليتعلم ، كما قال الضابط المنفوخ كالبالون، لكن الجندي الصغير تعلم شيئاً آخر ، تعلم أنه ليس له مكان في جيش رجعي، وإن مكانه الحقيقي في ثورته ... ومع الفجر الجديد تحرك ليلتحق بإحدى قواعد القوات المسلحة الثورية ... وها هوذا الآن يتقدم ضد مغاوير جيش أكثر رجعية، ضد مغاوير الفاشيست ، الذين يريدون طعن ثورته.
    هو الآخر قيمة لا تعلوها قيمة .. نذر نفسه للأرض التي تركها لا لم يتركها .. عاد إليهامرات ومرات ليؤدي طقوس الواجب ، ليؤدي العملية تلو العملية ... وها هم أولاد الفاشيست الانعزاليين يبعدونه عن أرضه ... يبعدونه عن واجبه ، ليتقى طعنات الظهر، طعنات الغدر والخيانة التي وجهودها في الدامور.
    وذاك من ميلشيا عين الحلوة . عامل بسيط ، واجباته تجاه عائلته الضخمة جعلته يقدم ما يستطيع ... مهمات محددة: حراسة ، مناوبة ، للحفاظ على آمن المخيم، بعد انتهاء عمله في ميناء صيدا . وكيف لا ينضم !؟ إنه يذكر كيف عاش مخيمه قبل حضور الثورة إلى لبنان:؟ يذكر الذل الذي عاناه شعبه ورجل الأمن اللبناني يجول في الأزقة رافعاً سوطه يوماً إثر يوم ليجعل الجباه مطأطئة، ليرغم الأنوف على الاندساس في التراب .. يذكر الاضطهاد الذي لا مبرر له، يذكر كيف أن كلمة فلسطيني كانت تعني الشخص الأجنبي الذي يجب أن يداس بالأقدام. ويذكر كيف أن الثورة جاءت، فزال الذل، ومضى الاضطهاد.
    فكيف لا يكون مع ثورته، وكيف لا ينضم إلى هذه الثورة؟
    والآن الثورة تناديه .. الثورة تقول له: عندك مهمة أعظم من الحراسة . فودع الأطفال وجاء ليفتح طريقه إلى بيروت ..
    ورابع .. من الحركة الوطنية، من الجنوب التعيس؟ من الجنوب المهمل، من الجنوب المسروق، من الجنوب المضطهد .. وخامس : .. يتساءل ما ذنب ذاك العجوز الذي غادر بيته للعلاج في بيروت، ما ذنبه حتى يعود رأسه بدون جثة، ما ذنبه حتى يعاد رأسه وقد مثل به أشنع تمثيل؟ ما ذنب أخي الطفل الذي قطعوا يديه ورجليه. شوهوا جثته .. ما ذنب؟ ما ذنب؟ يجب دحر هذا الحقد .. يجب دفن هذه النفوس المريضة التي عاشت من السرقة و النهب، التي عاشت من الجريمة .. وسادس .. وسابع .. وعاشر .. ومائة . والكل يتقدم .. بكل قوة .. بكل ثقة ، فالقوات المسلحة الثورية في المقدمة .. والكل خلفها .. بكل ثقة، فالقوات المسلحة الثورية في المقدمة .. والكل خلفها .. خلف المنظمة التي ارتبطت بالشعب الفقير، التي ارتبطت بالطبقة العاملة،  بالطبقة الكادحة .. والتي تقدمت كل الصفوف ببرامجها ، بعطائها ، بثورتها.
    نعم في الساعة التاسعة من صباح 18 ـ1 بدأت قوات الجبهة الديمقراطية هجومها مندفعة من الناعمة ومن ملتقى النهرين . والموعد .. لقاء عند الجسر جنوب البلدة.
    ووزعت القوى بحسب الأهمية القصوى للمناطق، وحسب تواجد تحصينات العدو وتجمعاته . وكان أهم المحاور ، المحور الذي أنيط اقتحامه بالقوات المسلحة الثورية. وبدأ الهجوم بقوة، وردت القوات الانعزالية بنيران كثيفة جداً، محاولة بكل الطاقات إيقاف الهجوم أو إعاقته من دون جدوى ... فالمقاتلون يتقدمون من زقاق إلى زقاق، ومن بيت إلى بيت، بقوة، بثقة، بتفان، وأمام أعينتهم الهدف يتلألأ، ويدعوهم للتقدم نحوه ... الرصاص يتساقط بينهم وتحت أقدامهم كالمطر بغزارته .. وهم قد نذروا أنفسهم لاجتياح العوائق مهما كلف الثمن ... ملالة تعيق .. لحظة توقف .. ويتقدم رامي ب 7 بكل هدوء وتسقط القذيفة لتجمد الملالة .. ثم تتابع التقدم بأعلى الوتائر.
    رشاش 500 يعيق.. لحظة توقف .. وتتقدم الدوشكا لتصلي العدو، لتسكت الرشاش.. ثم ليتابع التقدم بأعلى الوتائر.
    قناص يعيق .. لحظة توقف .. ويتقدم مقاتل بكل حذر، ليرمي قنبلته على النافذة فتخرس م16  وينطمر القناص، وكأنه أعد قبره وتراب قبره.
    سد ناري يعيق .. لحظة توقف .. وتنهمر قذائف 106 وب 10 لتحرق الحاجز، لتهدم الحاجز .. وليلوذ بالفرار من بقي حياً ..
    ويبدأ العدو بفقد توازنه وبفقد سيطرته، فيكثف نيرانه العشوائية لتسقط فوق البيوت .. لتحرق البيوت .. لتقتل الأهالي المخبئين ، والذين أدعوا دائماً أنهم يقاتلون لحمايتهم، ولحفظ مصالحهم .. فكشفوا أخيراً عن خططهم  التي لا تعبأ بأية قيمة ولا تهتم لأي إنسان سوى تنفيذ مأربهم الخاصة .. وكأنهم بتوجيه النيران لتحرق البيوت يستطيعون إيقاف الهجوم. كان الغيم والضباب  مسيطراً، وفجأة بدأت نيران الرصاص والقذائف تضيء الجو لهنيهات كومضات البرق .. وفجأة بدأ العدو الفاشي يحرق البيوت ويدمرها، وكأنه آل على نفسه أن لا يغادر بيتا ألا بعد أن يحيله إلى ركام ودمار . وكأنه آل على نفسه أن لا يسلم من القرية الهادئة إلا جثث الأهالي الذين طالما خدعهم بشعاراته وبندائه المزيف والكاذب. وكأنه شعر أخيراً بسقوط كل الأقنعة التي تستر خلفها، ففكر بالانتقام ممن سيرفع إصبع الاتهام بوجهه مستقبلاً. فالمكان الذي لا يستطيع السيطرة عليه لا بد أن يحيله إلى الفناء. فما من لبناني جدير بالبقاء وبالحياة، وما من لبناني جدير بالتمتع بخيرات لبنان المعطاء إلا حامل إشارة الفاشيست .. وكأنه شعر بأن أوراقه كلها عريت وكشفت فأصبح عليه أن يحرق كل أدلة الاتهام، وأن يزيل كل الشهود على جرائمه. النيران تتصاعد نحو السماء، والدخان يملأ الجو، والقذائف الفاشيستية تسقط بلا هوادة وبعشوائية جنونية لتشي بفقدان السيطرة وبفقدان العقل ..
    ويرى مقاتلو الثورة هذه الجرائم الجديدة، فيزداد اندفاعهم لتطهير البلدة من الرجس الانعزالي .. نعم وبالضبط من هذا الرجس الذي أراد تشويه لبنان العربي، والذي أراد فصل لبنان عن عروبته ، ليكون عميلاً دولياً يباع ويشتري في المزاد ، وليكون لمن يدفع المبلغ الأعلى .. القتال يحتدم من بيت إلى بيت .. والعدو يتقهقر شيئاً فشيئاً باتجاه الجنوب وباتجاه بساتين الدامور وباتجاه البحر. وما أن مضت ساعة حتى كانت المهمة الأولى قد تحققت ووصلت جموع المقاتلين نحو أهدافها ، وبات عليها أن تطهر البيوت من الجبناء المختبئين .. من زقاق إلى زقاق .. ومن بيت إلى بيت.
    ثم التقت القوات عند الجسر ... وبذلك سقطت تلك القلعة الإرهابية ، تلك القرية التي روعت كل المدنيين بجرائمها البشعة. وانتصرت الثورة، وانتصر التحالف بين الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني ، وسقطت الدامور وسقطت إحدى قلاع الفاشيست الجدد ...
    وعلى الطريق إلى النصر، قدم الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني شهداءه .. ونزف الدم الطاهر، ليفتح الطريق وليعبده: طريق الشعب، طريق الثورة ... تدفق الدم النقي ليزيل عن أرض لبنان الجميلة حقاً كل ذلك الرجس الذي كان يلوث ويشوه ذاك الجمال .. ليغسل كل ذاك التزييف والخداع والحقد الذي شهره الانعزاليون وأحاطوا أنفسهم به، ليموهوا على الشعب مصالحهم وعمالتهم للمستعمر للصهيونية .

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة