• العائد.. وشجر الزيتون
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    معتصم حمادة -   عدد القراءات :1237 -   2011-04-30

    احتجز الإسرائيليون جثامين الشهداء، حتى لا تكون لدينا مقابر خاصة بهم، فاكتشفوا بعد فترة أن مقبرة الأرقام لديهم، تحولت هي أيضا إلى مقبرة للشهداء.. كباقي المقابر الممتدة في جوار مخيمات اللاجئين والمدن والقرى والبلدات الفلسطينية العائد هو الشهيد حافظ أبو زنط. بطل عملية الشهيدة لينا النابلسي. شاركه فيها رفيقاه، الشهيدان مشهور العاروري، وخالد أبو زياد. العملية وقعت في 18/5/1976. واستهدفت اختراق الحدود، والتوغل داخل الأراضي المحتلة لضرب أحد الأهداف الإسرائيلية المعادية. كما وقعت في سياق إحياء القوات المسلحة الثورية، للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وعلى طريقتها الخاصة، ذكرى النكبة الوطنية الكبرى التي وقعت في 15/5/1948.
    الرفاق الأبطال نجحوا، رغم إجراءات العدو، وحواجزه الإلكترونية، ودورياته، ورغم إعلان حالة التأهب في صفوفه، في اختراق الحدود،والتوغل مسافات بعيدة. والقوات المسلحة الثورية، بدورها نجحت في التخطيط لهذه العملية، بالنجاح المطلوب، رغم أنها كانت تعيش، جنبا إلى جنب، مع باقي قوى المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، حالة دفاع مشروع عن النفس، ضد هجمة يمينية، حاولت أن تشغل العمل الفدائي الفلسطيني عن مهماته الرئيسية والأساسية. من تابع وقائع العملية، عبر الوثائق التاريخية المتوفرة، لاحظ كيف أن أبطال عملية الشهيدة لينا النابلسي حولوا منطقة العملية شمالي جسر دامية، إلى جبهة قتال حقيقية اضطر فيها العدو إلى استعمال المروحيات والآليات واستدعى قوات إضافية،وأشرت حركة سيارة الإسعاف إلى الخسائر التي وقعت في صفوفه. وقد امتدت المعركة من الساعة الواحدة ليلا وحتى الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم التالي (18/5/1976). علما أن العملية تمت في مناطق مأهولة بحيث شهد فصولها سكان المنطقة وشهدوا على صحة وثائقها، كما أن العدو بدوره، منع الدخول على منطقة العملية وأغلق الطرقات المؤدية لها. الشهداء الثلاثة
    (مشهور، وحافظ، وخالد)، احتجز العدو جثامينهم وحاولت الجبهة، جاهدة استردادها بما في ذلك مذكرة بعث فيها الرفيق نايف حواتمه، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إلى الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم، طلب فيها إعادة الجثامين إلى عائلاتهم، في الأرض المحتلة، عملا بالأعراف الدولية،باعتبارهم مقاتلين كانوا يرتدون الزي العسكري، ويحملون شارات القوات المسلحة الثورية، كما يحملون سلاحهم علنا،يقاتلون لأجل حرية شعبهم ووطنهم.
    بعد 35 عاما من الأسر في مقبرة الأرقام نجحت مبادرة شعبية لاسترداد جثامين الشهداء الفدائيين في هذه المقبرة؛ في استرداد رفات الشهيد مشهور عاروري، أحد أبطال العملية، بقرار من المحكمة الإسرائيلية العليا. وقد سلمت رفاته إلى عائلته في عارور، في الضفة حيث أعيد دفنها في جنازة مهيبة، ووفقا لمراسيم رسمية تليق بالشهداء الأبطال. قرار آخر أصدرته المحكمة بإطلاق سراح رفات الشهيد حافظ أبو زنط؛ رضوخا تحت ضغوط الرأي العام العالمي، وعدالة الحقيقة الفلسطينية.
    عائد آخر إلى أحضان الأهل.. إلى أحضان الوطن.
    والبقية تأتي لا محالة.
    ***
    ظاهرة جديدة بدأت تستشري في صفوف أغنياء إسرائيل،خاصة أصحاب الفيلات الفخمة، تلك الشريحة الاجتماعية التي بدأت تحتل موقعا في الحياة السياسية الإسرائيلية من خلال الفساد الذي تزرعه بين رجال السياسة وتجر بهم إلى المحاكم، لضعف حصانتهم الاجتماعية، وهشاشة بنيانهم الأخلاقي. الظاهرة التي نشير إليها هي ظاهرة تزيين حدائق الفيلات الخاصة بهؤلاء الأغنياء بشجر الزيتون. هناك مدن عديدة تستعمل شجر الزيتون للزينة منها على سبيل المثال مدينة اثينا اليونانية، حيث يلاحظ أن شجر الزيتون، هو الشجر الذي يزين جوانب الطرقات. وشجرة الزيتون، بالنسبة للفلسطيني تعتبر جزءا من تاريخه.وتاريخ بلاده. وأصبحت الزيتونة واحداً من عناصر التراث الفلسطيني.تجدها في كل مكان من الأرض الفلسطينية بما فيها قطاع غزة نفسه. الشجرة التي يحب أغنياء إسرائيل تزيين حدائقهم بها ليست شجرة فتية. بل هم يفضلون شجرة هرمة. (هذا إذا كانت شجرة الزيتون تهرم حقا). وهم يفضلون الشجر الذي يطلق عليه الفلسطينيون الشجر الروماني. أي الذي زرع منذ العصر الروماني وما زال حتى الآن يقاوم القدر أو الطبيعة، ويعلو ويقدم لمالكيه الزيتون الفاخر. الإسرائيليون الأغنياء يدفعون غالياً للحصول على شجرة زيتون يزينون بها حدائقهم. هذا النوع من الشجر موجود في الضفة الفلسطينية لذلك نشأت عصابات إسرائيلية (بالتعاون مع ضباط جيش الاحتلال الفاسدين) تقتصر عملياتها على السطو على الحقول الفلسطينية لسرقة شجرات الزيتون التاريخية، يقتلعونها من جذورها (هل يستطيعون حقا؟) مع كمية كبيرة من التربة، ويشحنونها، بطرق خاصة، إلى الفيلا، حيث تؤسر هناك لدى هذا الغني أو ذاك. تقتلع من أرضها، حيث تكون علامة للحياة، تعيش،وتهب،وتتلقى العناية والرعاية من أصحابها، لتنقل لتتحول إلى مجرد نصب في مكان ما، وظيفتها أن توفر فرصة لمن اعتقلها ليتباهى بها.
    ليست هي المرة الأولى التي يقتلع بها الإسرائيليون الزيتون الفلسطيني. لقد سبق وان فعلوا ذلك في قطاع غزة حين أرادوا أن يوسعوا  الطرقات لعبور الآليات، فاقتلعوا العشرات من أشجار الزيتون الروماني. هل كان الهدف (حقا) هو توسيع الطرقات، أم أن الهدف كان القضاء على التاريخ الفلسطيني، في الأرض الفلسطينية للإدعاء أنها أرض بني إسرائيل. اقتلاع الإسرائيليين للزيتون، إشارة أخرى، أنهم ليسوا من أصحاب هذه الأرض، ولم يتعبوا لا في شق تربتها، ولا في تحويل تلالها إلى منحدرات وبيارات وحقول، ومساكب وجلالي. ولا في زراعتها، وتوارث زيتونها ولوزها وتينها، وعنبها، وكل خيراتها، بما فيها زعترها وأعشابها الأخرى ذات الروائح الزكية والتي اعتدنا استعمالها أدوية عربية «البابونج واليانسون، والكمون والأنواع الأخرى من الأعشاب الطبية». المعلومات الأولية أن شجر الزيتون الذي اقتلع من أرضه، وسرق، ونقل إلى فيلات أغنياء إسرائيل، بدأ يفقد القدرة على إنتاج ثمرة الزيتون، وأنه تحول إلى شجر عاقر. لقد فقد بيئته وفقد حنان الفلاح الفلسطيني، وعواطف الفلاحة الفلسطينية. فخسر إنسانيته وتحول إلى مجرد خشب هرم لا حياة فيه. إنهم يقتلون أهل بلادي.. ويقتلون أيضا زيتون بلادي.
    ***
    هل من علاقة بين استعادة رفات الشهيدين مشهور العاروري، وحافظ أبو زنط، وبين سرقة الإسرائيليين لشجر الزيتون الهرم من الحقول الفلسطينية، وتحويله إلى زينة في حدائق أغنيائهم؟
    لقد احتجز الإسرائيليون رفات الشهداء في مقبرة الأرقام، ـ كما قالوا ـ ظنا منهم أن مثل هذا العمل هو «عقوبة»تفرض على الشهيد الفلسطيني،وعلى عائلته وأصحابه ورفاقه، حين يحرمونهم من توديعه في جنازات تليق به، وحين يحرمونهم من دفنه في ضريح، يزار في المناسبات الدينية والوطنية. أرادوا أن يحرمونا من أن يكون لدينا مقابر للشهداء. فاحتجزوا جثامينهم ورفاتهم في مكان غامض أطلقوا عليه اسم «مقبرة الأرقام». أرادوا كذلك أن يلقنوا الشعب الفلسطيني درسا بحيث يمتنع أبناؤه عن القتال ضد الاحتلال.
    لكن التجربة أكدت فشل حسابات العدو الإسرائيلي. فمقبرة الأرقام تحولت، رغما عن العدو، إلى مقبرة أخرى من مقابر الشهداء الفلسطينيين. ووجد الإسرائيليون أنفسهم يقومون بما رغبوا حرمان الشعب الفلسطيني أن يقوم به. أي باتت لديهم هم أيضا مقبرة للشهداء، وإن كانوا قد أطلقوا عليها اسم «مقبرة الأرقام». كما وجدوا أنفسهم في موقع المدان عالميا، عدو مجرد من كل مشاعر الإنسانية، يحتجز الأسرى رجالاً ونساء وأطفالاً، ولا يتردد حتى في احتجاز الجثامين. الضغط الفلسطيني والضغط الإنساني الدولي أرغمهم على الشروع في إطلاق سراح جثامين الشهداء. أطلقوا دفعة كبيرة إلى لبنان بالتبادل مع حزب الله، كان للجبهة الديمقراطية فيها 42 رفات شهيد من أصل 151 هو مجموع ما تسلمه حزب الله. أما شجر الزيتون، وكما خضنا معركة استرداد رفات شهدائنا، فعلينا أن نخوض معركة صونه، وحمايته ومنعهم من سرقته. الوطن هو الأرض، والسماء والماء، والتراب، والبشر. وهو أيضا.. الزيتون.
    فلنعمل على حماية زيتون بلادي..  والدفاع عنه بكل السبل .
    * مسؤول الإعلام والتوثيق بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

الصحافة العبرية

عبر عن رأيك

هل توافق على استمرار الهدنة بين اسرائيل وقطاع غزة
مع
ضد
لا أدري


النتيجة

عدد الزيارات

2,998,803 زائر

ابحث في غوغل


تواصل معنا

صفحتنا على الفيسبوك الحقنا على تويتر خدمة RSS