:مصدر المقال
http://pnrb.info/article/21952/تقرير-سياسي-صادر-عن-أعمال-الدورة-الكاملة-للمكتب-السياسي-للجبهة-الديموقراطية-لتحرير-فلسطين-أوائل.html

تقرير سياسي صادر عن أعمال الدورة الكاملة للمكتب السياسي للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين أوائل

2014-10-08

عقد المكتب السياسي للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين دورة عمل كاملة أوائل شهر تشرين الأول برئاسة الأمين العام نايف حواتمة، ناقش خلالها الاوضاع الفلسطينية والعربية والدولية، على ضوء الحملة العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة والمسماة الجرف الصامد، ونتائجها السياسية والأمنية والاجتماعية المختلفة وعلى ضوء النتائج العقيمة التي توصلت إليها العملية السياسية تحت الرعاية الامريكية المنفردة ووصولها الى الطريق المسدود.

وخلص المكتب السياسي الى سلسة من الاستخلاصات السياسية الأولية صدرت عنه في تقرير سياسي شامل ننشر النص الكامل:

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

دورة عمل المكتب السياسي

في مطلع تشرين الأول 2014

«شركاء في الدم.. شركاء في القرار»

عدوان «الجرف الصامد» على غزة – إستخلاصات وتوجهات

(1)

مشروعان فئويان

تتميز الحالة الفلسطينية، في وضعها الراهن، بأنها تحت وطأة تجاذب مشروعين سياسيين فئويين، هما برنامج السلطة الفلسطينية، وبرنامج حركة حماس، ما أدى إلى تغييب وإضعاف البرنامج الفلسطيني الموحد، لعموم الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، برنامج العودة، وتقرير المصير، والدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، بحدود الرابع من حزيران (يونيو) 67، وعاصمتها القدس المحتلة.

يقوم برنامج السلطة الفلسطينية على الالتزام بالاتفاقات الموقعة مع دولة الاحتلال، بكل ما في هذه الالتزامات من ضرر كبير بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، كما يقوم على الالتزام بخيار المفاوضات الثنائية، مع العدو الإسرائيلي، تحت الرعاية الأميركية المنفردة، خياراً وحيداً حتى الآن، بعيداً عن إعتماد قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة مرجعية سياسية وقانونية لهذه المفاوضات، وعن سياسة التسلح بكل عناصر القوة الفلسطينية، ما حوَّل هذه المفاوضات إلى عملية سياسية عقيمة، إمتدت لأكثر من عقدين من الزمن، على حساب المصالح والحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، أضعفت قضيته، وشكلت في الوقت نفسه غطاء سياسياً لمشروع إستيطاني إستعماري إلتهم مناطق واسعة من الأرض الفلسطينية المحتلة وفرض وقائع ميدانية، عبر مشاريع التهويد والأسرلة، خاصة في القدس الشرقية المحتلة، لقطع الطريق على أية تسوية متوازنة تضمن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 67 وعاصمتها القدس وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين؛ ووفرت هذه المفاوضات غطاء سياسياً لسياسة قمعية أدت إلى الزج بالآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني في السجون والزنازين الإسرائيلية؛ كما شكلت هذه العملية السياسية غطاء لسياسة إقتصادية كولونيالية إسرائيلية، عمقت تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، وعطلت الفرص لبناء إقتصاد فلسطيني يعزز عوامل صمود الشعب الفلسطيني، في كفاحه ضد الاحتلال والاستيطان ولأجل الاستقلال وحق العودة.

إلى هذا أدت هذه السياسة إلى إحداث شرخ واسع في العلاقات الوطنية الفلسطينية، وإلى إضعاف الموقع الوطني والتمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، كما أضعفت عناصر وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته وحقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف، كما أقرتها المؤسسات التشريعية الفلسطينية، وكما إعترفت بها الشرعية الدولية في قراراتها ذات الصلة.

بالمقابل يقوم مشروع حركة حماس على إتباع سياسة إنقلابية على شرعية المؤسسة الفلسطينية، وتمزيق وحدة الشعب الفلسطيني، وتكريس مبدأ الاستفراد بالسلطة وإحتكار القرار، وتغليب المصالح الفئوية على المصالح الوطنية، واتباع سياسة إقليمية محورية، لا تخدم مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية بل تلحق بها أضراراً جسيمة، وتغلّب إنتمائها الفكري والسياسي الإخواني على إنتمائها الوطني الفلسطيني، وتتبع سياسات رجراجة في تعريف الحقوق الوطنية الفلسطينية، ورسم آليات النضال من أجل هذه الحقوق وصونها والدفاع عنها؛ وبالتالي يشكل مشروع حماس الوجه الآخر لمشروع السلطة في رام الله، ولا يقدم بديلاً وطنياً توحيدياً لعموم الشعب الفلسطيني وشرائحه وقواه السياسية، بل عزز ويعزز سياسة الانقسام والتشرذم وتفتيت الحالة الوطنية الفلسطينية وإشغالها بمعارك جانبية، فئوية، على حساب الانشغال التام بالمعركة الوطنية.

على خلفية ما تقدم، يجب القول إن الحلقة المركزية في النضال الفلسطيني راهناً، تتمثل بالعودة إلى المشروع الوطني الفلسطيني الموحد، ومغادرة المشروعين آنفي الذكر، بعد أن أثبتت التجربة فشل كل منهما في تحقيق الأهداف التي رسمها لنفسه، وفي تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.

لقد فشل مشروع السلطة في رام الله بالوصول عبر المفاوضات العبثية والعقيمة تحت الرعاية المنفردة للولايات المتحدة، وخارج مرجعية الشرعية الدولية والوقف الكامل للاستيطان، في كسب المعركة الوطنية، وإنهاء الاحتلال، وصون حق العودة للاجئين؛ كما فشل بتثمير عضوية فلسطين المراقبة في الأمم المتحدة، في خط هجوم سياسي دولي وإقليمي يقود إلى مزيد من نزع الشرعية عن الاحتلال، وعزل إسرائيل على الصعيد الدولي، والاستقواء بالمؤسسات الدولية في مكافحة الإحتلال كمحكمة الجنايات الدولية ومحكمة لاهاي وغيرها. كذلك فشل مشروع السلطة في رام الله بفتح الآفاق السياسية الكفاحية أمام الحركة الشعبية، لا بل أدت سياسته، سياسة الخيار الوحيد، وسياسة التسليم والارتهان للدور الأميركي، إلى إضعاف الحركة الشعبية، وإفراغ شعاراتها من مضمونها، كشعار «المقاطعة الاقتصادية»، أو شعار «المقاومة الشعبية» أو شعارات التصدي للاستيطان، وإسقاط الانقسام، ودعم الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية الخ..

وبالمقابل فشل مشروع حركة حماس في تأكيد صلاحيته كحل للقضية الوطنية الفلسطينية، أو كحل لسلطة وطنية فلسطينية بديلة، أو كحل للمشروع الوطني التوحيدي الفلسطيني. لقد وصلت حركة حماس إلى الطريق المسدود في إدارة الشأن العام في قطاع غزة، بواسطة السلطة البديلة التي بنتها على خلفية الانقسام، كما فشلت حماس في بناء علاقات إقليمية وعربية تخدم المشروع الوطني الفلسطيني، بل إن تورط حماس في سياسات محورية إقليمية عربية وشرق أوسطية، أدت إلى إلحاق الأذى بمصالح الشعب الفلسطيني (سوريا، مصر..).

هذه الوقائع، إنما تؤكد فشل المشروع السياسي الفئوي لحركة حماس؛ ولعل قبولها مؤخراً بالدخول في تسويات فلسطينية لحالة الانقسام، وتوقيع إتفاق الشاطيء (23/4/2014) وإتفاق القاهرة (26/9/2014) وإخراج حكومتها برئاسة إسماعيل هنية، والقبول بحكومة «التوافق الثنائي» مع حركة فتح، تشكل دلائل، واعترافاً، من حماس، بفشل مشروعها الفئوي، وحاجتها إلى غطاء سياسي فلسطيني، يوفر لها القدرة، على تعديل سياساتها، وتكتيكاتها، دون أن يعني ذلك أنها تخلت، بشكل كامل عن مشروعها السلطوي في قطاع غزة، وإن من تحت الطاولة، وعبر الهيمنة على المؤسسات الإدارية والخدمية والأمنية، بعد أن أتخمت مؤسسات السلطة بأكثر من 40 ألف موظف، ولاؤهم السياسي والحركي لحماس وحدها

(2)

المشروع الوطني الفلسطيني الموحّد

يشكل المشروع السياسي الوطني الفلسطيني الموحد، الرافعة الحقيقية لوضع حد للاحتلال والاستيطان، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، بحدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وصون حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948؛ إنه المشروع البديل لكل المشاريع الفئوية، الخارجة عن حدود الشرعية الفلسطينية المتمثلة بقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، والمشاريع الأربعة التي إنتهت إليها جولات الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة (آذار/مارس 2005)، وغزة ورام الله (26/6/2006)، والقاهرة (4/5/2011)، والقاهرة (شباط/فبراير 2013). وقد نصت هذه الحوارات على سلسلة من الأسس والقرارات والتوجهات الضامنة للحقوق الوطنية الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة حقوقه، ومؤسساته الوطنية. وفي مقدمها:

1 - إعادة بناء وتطوير المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمها المجلس الوطني الفلسطيني، على أسس ديمقراطية عبر الانتخاب بنظام التمثيل النسبي الكامل، وإنتخاب لجنة تنفيذية تكون القيادة اليومية، والفاعلة، للشعب الفلسطيني، ومرجعيته السياسية.

2- تبني سياسة فلسطينية وطنية جديدة، تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي، تحت سقف قرارات الشرعية الدولية، والنضال في الميدان، ضد الاحتلال والاستيطان، واستنهاض عناصر القوة في الحالة الشعبية نحو مقاومة شعبية نشطة، تتطور نحو إنتفاضة شعبية شاملة، تتبع كل الأشكال الكفاحية المتاحة، بما فيها أدوات وتكتيكات الاستراتيجية الدفاعية ضد الإحتلال، وفك الحصار عن قطاع غزة.

3- إعادة صياغة علاقة جديدة مع الاحتلال، عبر وقف كل أشكال التنسيق والتعاون الأمني، ومقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي، وتبني سياسة إقتصادية، توفر عناصر الصمود للشرائح الإجتماعية الفقيرة ولعموم شرائح الشعب، كجزء من حرب الاستقلال.

4- البناء على قرار إعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين على حدود 4 حزيران (يونيو) 67 وعاصمتها القدس الشرقية، وحق العودة وفق القرار 194، من أجل إكتساب وتفعيل العضوية في الإتفاقيات والبروتوكولات والمؤسسات والوكالات الدولية، وفي المقدمة التوقيع على نظام روما الأساسي المنشيء لمحكمة الجنايات الدولية والدخول إلى محكمة لاهاي، لنزع الشرعية عن الاحتلال، وعزل إسرائيل، ومحاكمة مجرمي الحرب من قادتها السياسيين والعسكريين على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها ضد الشعب الفلسطيني: الحروب العدوانية على قطاع غزة والضفة والإغتيالات والإعتقالات وهدم المنازل والاستعمار الاستيطاني في القدس والضفة الفلسطينية.

5- إتباع سياسة عربية وإقليمية ودولية تهدف إلى تجميع عناصر التضامن مع الشعب الفلسطيني ودعم نضاله، وتحقيق أهدافه الوطنية.

6- الدعوة إلى عملية سياسية جديدة، تحت رعاية الأمم المتحدة وتحت سقف قراراتها ذات الصلة، بما يكفل وضع حد للاحتلال والاستيطان، ويضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة؛ بحدود الرابع من حزيران (يونيو) 67، ذات إقليم متصل، خالية من المستعمرات الاستيطانية والطرق الالتفافية والجسور والانفاق الاستيطانية، عاصمتها القدس الشرقية، ويضمن حق العودة إلى الديار والممتلكات الذي يكفله القرار الرقم 194.

7- وفي إطار هذا المشروع الوطني الموحد، إعادة بناء مؤسسات م.ت.ف والسلطة الفلسطينية، وكافة مؤسسات المجتمع الفلسطيني في الأرض المحتلة، على أسس إنتخابية ديمقراطية وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، تشمل أيضاً المجالس المحلية والبلدية والقروية والاتحادات الشعبية والنقابات العمالية والمهنية، ومجالس الطلبة والمؤسسات الاجتماعية والأندية الثقافية والشبابية والاجتماعية، كأطر حشد وكفاح، في معركة الاستقلال والعودة والخلاص من الاحتلال والاستيطان.

8- تعزيز الوحدة السياسية والإدارية بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، ووحدة الشعب الفلسطيني في كافة مناطق تواجده، عبر صون وحدة حقوقه، داخل مناطق الـ48، والضفة بما فيها القدس والقطاع، وأقطار الشتات واللجوء وبلدان المهاجر.

9- إن الإلتزام بهذا المشروع الوطني الموحد، بخطوطه العامة، وتفاصيله اليومية، يتطلب إنشاء علاقات ديمقراطية بين القوى السياسية الفلسطينية، على قاعدة الشراكة الوطنية الكاملة، وعلاقات ديمقراطية بين المؤسسة الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني وقطاعاته الجماهيرية، ما يفترض بدوره، إجراء حوار وطني شامل، يستعيد ويستكمل محطات الحوار الأربعة الكبرى (2005/2006/2011/2013)، وبما يكفل الوصول إلى الوثائق والبرامج المؤطرة وإعتماد الخطط والآليات التنفيذية الكفيلة بصون وحدة الشعب، وصون وحدة حقوقه، ومسيرته الكفاحية وفك الحصار عن قطاع غزة، وصولاً إلى دحر الاحتلال، وتفكيك الاستيطان، وقيام الدولة المستقلة وضمان حق العودة

(3)

العدوان على غزة.. دروس واستخلاصات

إنتهز العدو الإسرائيلي حادثة إختطاف ثلاثة من المستوطنين في الضفة الفلسطينية ليشن حرباً جديدة ضد الشعب الفلسطيني، إبتدأت يوم 12/6 وإنتهت (إعلامياً) يوم 27/8/2014، منها – بدءاً من 6/7 - واحد وخمسون يوماً من الاجتياحات البرية والجوية والبحرية لقطاع غزة، ما أدى إلى سقوط 2200 شهيد، معظمهم من الأطفال والنساء والمسنين، وإصابة أكثر من 11000 جريح جلهم من المدنيين العزل، وتدمير آلاف المنازل والمؤسسات ودور العبادة والمدارس والمستشفيات، وتشريد حوالي نصف مليون مواطن من منازلهم.

لقد إتسمت الحرب العدوانية على القطاع (والضفة والقدس في السياق) بوحشية غير مسبوقة، إستعمل فيها العدو الإسرائيلي أحدث ما لديه من آلة الحرب والقتل والدمار، لجأ فيها إلى إستهداف متعمد للمناطق السكنية وللآمنين في مآوي وكالة الغوث المشمولة بالحماية الدولية، كما لجأ إلى أساليب التدمير الشامل لمناطق كاملة في أكثر من مكان، في الشجاعية، ورفح وخزاعة وخانيونس وبيت لاهيا وبيت حانون وغيرها، في محاولة لكسر إرادة الصمود لدى الشعب الفلسطيني ومقاومته، والإدعاء بتحقيق أهداف العدوان الإجرامي على الشعب الفلسطيني. بالمقابل صمد الشعب الفلسطيني في وجه العدوان، صموداً أسطوريا، وتحققت وحدة المقاومة والشعب في الميدان، رغم إختلال ميزان القوى بشكل فادح لصالح العدو، وخاض ملحمة تاريخية، سجل خلالها صفحات مشرقة من تاريخ النضال الفلسطيني، وجدد تأكيده للعالم وإصراره على التمسك بأرضه ومقاومته، وقضيته، وحقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف، وتصميمه على مواصلة النضال إلى أن تتحقق أهدافه الوطنية.

بدورها خاضت المقاومة الفلسطينية في القطاع جولات من القتال البطولي ضد العدوان، فوق الأرض، وتحتها، وفي خضم البحر، وابتدعت تكتيكات قتالية متطورة، نجحت خلالها في تقليص المسافة الواسعة بين القدرات العسكرية الهائلة لدى العدو، والقدرات العسكرية المحدودة لدى المقاومة. ورغم هذه القدرات المحدودة، شكل المقاتل الفلسطيني الأساس المتين الذي إعتمدت عليه المقاومة في التصدي للعدوان، وخوض معارك البطولة والشرف، وفرض إرادتها على ميدان المعركة، والنجاح في كثير من الأحيان بمباغتة العدو في عقر مستعمراته ومواقعه العسكرية الخلفية، والتسلل إلى قلب مراكزه القيادية، ما أحدث بلبلة وارباكاً بين قادته وفي صفوف جنوده، وأوقع منهم 74 قتيلاً، ومئات الجرحى، يسجلون في التقييم العسكري الإسرائيلي لنتائج المعركة والعدوان، كخسارة فادحة، وغير منتظرة.

لقد نجحت المقاومة الفلسطينية، في وحدتها الميدانية، والتفاف الشعب من حولها، في إعادة تظهير القضية الوطنية الفلسطينية، باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب مكافح ضد الاحتلال والاستيطان ولأجل الحرية والاستقلال والعودة، واستنهضت تأييد الشعوب العربية مرة أخرى، والقوى الصديقة والمحبة للسلام في أميركا اللاتينية، وأوروبا الغربية، وآسيا، وأفريقيا، وداخل الولايات المتحدة نفسها في تظاهرات وإعتصامات شعبية أمام البيت الأبيض والكونغرس الأميركي.

جدد صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان توفير الظروف السياسية الموضوعية في الضفة الفلسطينية لاستنهاض مقاومة شعبية نشطة تتطور نحو إنتفاضة شاملة تستل كل أساليب النضال والمقاومة، ضد الاحتلال والاستيطان، ومن أجل فك الحصار عن قطاع غزة؛ فالضفة (بما فيها القدس الشرقية المحتلة) لا تتضامن مع صمود غزة ومقاومتها فحسب، بل هي الساحة الرئيسية الأخرى لخوض النضال بآفاقه المفتوحة، ضد الاحتلال والاستيطان. لقد قدمت الضفة والقدس، في سياق الحرب العدوانية على غزة أكثر من عشرين شهيداً، ومئات الجرحى والأسرى والمعتقلين، فضلاً عن كونها مصدر الشرارة التي أشعلت نيران الحرب والعدوان، وهي ساحة الصدام اليومي مع جيش الاحتلال.

إن آفاق تطوير النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، في الضفة والقدس، مازال يصطدم بتردد القيادة السياسية الفلسطينية، وإحجامها عن إتباع سياسة بديلة للخيار الأحادي، خيار المفاوضات الثنائية مع العدو، وترددها في اللجوء إلى المحافل الدولية لرفع الشرعية عن الاحتلال وعزل إسرائيل، وكذلك إصرارها على الالتزام باستحقاقات الاتفاقات المجحفة مع العدو الإسرائيلي، وفي مقدمها التنسيق (أي التعاون) الأمني، وتحويل الشرطة وجهاز الأمن الوطني إلى حاجز يحول دون توسيع الصدام مع مواقع العدو وحواجزه، وإلى أداة قمع محلية، تلجم الحركة الشعبية وتمنع تصاعدها.

إن جوهر القضية يتعلق بغياب القرار السياسي الموحد للحالة الفلسطينية في الضفة والقدس، بما يقترب من القرار الموحد في قطاع غزة الذي شكل أساساً متيناً لوحدة ميدانية لكافة الأذرع العسكرية المقاتلة، إلتف من حولها الشعب الصامد بكل فئاته، وشكل لها حاضنة عززت من إرادة الطرفين معاً، على القتال والصمود. إن آفاق تطوير نضالات الحركة الشعبية في الضفة الفلسطينية والقدس، مفتوحة على الدوام، ولا تحتاج سوى إلى القرار السياسي الموحد من قبل القوى السياسية، والإنتقال من الشعارات والأقوال إلى ميدان الأفعال، الأمر الذي مازالت سياسة السلطة الفلسطينية تعمل على تغييبه، وتعطيل إمكانية الوصول إليه والتوافق حوله.

شن العدو الإسرائيلي عدوانه ضد الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس، وانتقل إلى الاجتياح البري والجوي للقطاع، محاولاً أن يستفيد من إنشغال الأوضاع الإقليمية والدولية بقضايا وملفات دفعت بالقضية الفلسطينية إلى الخلف على قائمة الاهتمامات السياسية. واحتلت قضايا الإرهاب والتكفيريين وأزمتي العراق وسوريا، وقضية أوكرانيا، والتوتر الأميركي - الروسي، وأزمة الملف النووي الإيراني وغيرها من القضايا، الموقع المتقدم في إهتمامات الدوائر السياسية العربية والإقليمية والدولية.

من جهة أخرى حاول العدو أن يستغل العلاقة المتوترة بين القاهرة وحركة حماس، في ظل المعركة السياسية والأمنية الدائرة بين الدولة المصرية وحركة الإخوان، فشن حربه ضد الشعب الفلسطيني، في رهان منه على تحقيق سلسلة من الأهداف العسكرية والسياسية والأمنية، في مقدمها الاستفراد بالقطاع، والقضاء على المقاومة الفلسطينية المسلحة، وتدمير بنيتها التحتية، وخطوط إنتاجها ومخزونها من السلاح والعتاد، واستهداف قياداتها وكوادرها ومفاصلها القيادية، وخلق شرخ بينها وبين الحالة الشعبية، وصولاً إلى فرض حصار سياسي خانق عليها، محلي وإقليمي ودولي، يقود إلى تجريدها من سلاحها، وإحداث إنقلاب في ميزان القوى، والبنية السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية. كما من أهداف العدوان، في ما تبدّى في السياق، إعادة الاعتبار للدور الإسرائيلي في مكافحة ما يسميه بالإرهاب، خاصة بعدما لاحظ، بحسرة شديدة، عزلته السياسية إزاء محادثات الملف النووي الإيراني، وسقوط دعاويه المطالبة بالحل العسكري الأمني لهذا الملف لصالح الأخذ بالحل التفاوضي السياسي (إطار الـ 5 + 1)، الأمر الذي توّج مؤخراً بعدم إدراجه من قبل الولايات المتحدة، في تحالفها الإقليمي والدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».

لقد حاولت حكومة نتنياهو أن تجعل من الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة مدخلاً جديداً لتستعيد إسرائيل دورها في مشاركة الولايات المتحدة في صياغة التوجهات والقرارات ذات الصلة بإقليم الشرق الأوسط والمنطقة العربية. كما أدرجت إسرائيل على جدول أهدافها من الحرب العدوانية على القطاع، إفشال سياسة إسقاط الإنقسام واستعادة الوحدة الداخلية الفلسطينية، والإبقاء على الانقسام الجغرافي والسياسي والمؤسسي في الحالة الفلسطينية بما في ذلك فصل القطاع عن الضفة والقدس.

لقد أفشل الشعب الفلسطيني ومقاومته تلك الأهداف السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية، وخرج من المعركة صامداً، كما خرجت المقاومة وهي أكثر إصراراً على التمسك بسلاحها وتطوير أدواتها القتالية. كما فشل العدو في قطع الطريق على مشروع المصالحة الفلسطينية، وإقحام نفسه في السياسات الإقليمية المستجدة. ولعل محاولاته الإدعاء بأن العدوان على غزة أوجد فرصاً للتقارب بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية في محاربة الإرهاب، ما هي إلا تعبير عن مسعى فاشل في الزعم بأن حربه حققت بعض أهدافها.

ولابد أن ردود الفعل السياسية داخل إسرائيل وردود فعل الشارع الإسرائيلي، والانتقاد الحاد الذي تعرضت له حكومة نتنياهو على يد القوى اليمينية المتطرفة والمستوطنين ووسط الرأي العام الإسرائيلي، والإنتقاد الحاد الذي تعرض له الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية في تل أبيب على أوسع نطاق، ما يبرز مدى فشل العدوان في تحقيق أهدافه المعلنة والمضمرة. ولا شك في أن رضوخ تل أبيب للقبول بالتفاوض (غير المباشر) مع وفد فلسطيني موحد فرضته أدوار فصائل المقاومة في الميدان، إنما يعكس واقع المقاومة الفلسطينية المسلحة وتركيبتها، وهو إعتراف واضح وصريح، بفشل العدوان في تحقيق أهدافه.

إفتقدت السلطة الفلسطينية خلال الحرب على الضفة والقدس والقطاع إلى السياسة الكفيلة بتوحيد الموقف الفلسطيني وتوحيد قواه السياسية وتعبئة الشارع لمقاومة العدوان والتصدي له، وتعزيز الصمود الوطني في وجه العربدة الإسرائيلية، واستقطاب الدعم العربي والتأييد الدولي للشعب الفلسطيني وقضيته وإدانة العدوان. فمنذ الإعلان عن إختطاف المستوطنين الثلاثة، إتبعت السلطة سياسة خاطئة كادت أن تبرر للاحتلال إجراءاته الوحشية ضد الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس، وأفرغت قضية إختفاء المستوطنين من مضمونها السياسي وأبعادها القانونية المتمثلة في إنتفاء أي مبرر للاستيطان ولوجود المستوطنين كمحتلين على الأرض الفلسطينية، وجعلت منها قضية إنسانية من الطراز الأول، غمزت من قناة صوابية وصحة الأساليب النضالية للشعب الفلسطيني، وساوت، قانونياً، وسياسياً، وأخلاقياً، بين الإنسان الفلسطيني على أرضه المحتلة وفي ظل القمع والاستبداد الإسرائيلي، وبين الإنسان الإسرائيلي، في إحتلاله للأرض الفلسطينية، وإفراغها من سكانها، وإقامة مستوطناته الاستعمارية عليها.

وعندما إنتقلت الحرب العدوانية بأساليبها الإجرامية إلى القطاع، غمزت السلطة الفلسطينية من قناة بعض فصائل المقاومة، في محاولة لتحميلها مسؤولية إنفجار الأوضاع في القطاع، وساوت بينها وبين الجانب الإسرائيلي، بين الضحية والجلاد، مما أساء إلى المصلحة الوطنية الفلسطينية، دون أن ينال روح المقاومة لدى الحالة الشعبية في الضفة والقدس، لكنه بالمقابل أثر سلباً على عمليات إستنهاض التأييد الشعبي العربي والدولي للشعب الفلسطيني وصموده البطولي، ووفر الذرائع لبعض العواصم العربية لتتحلل من واجباتها القومية والإنسانية والأخلاقية نحو الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

كما حاولت السلطة الفلسطينية أن تشق الوحدة الميدانية للمقاومة الفلسطينية المسلحة ووحدة الشعب في معركته المصيرية، من خلال اللجوء إلى تشكيل ما سمي بالوفد الفلسطيني «المقلص» إلى المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الإسرائيلي في القاهرة، علماً أن السلطة، وقد نصّبت نفسها في رئاسة الوفد، لم تكن واحداً من الأطراف التي تحملت عبء القتال والصمود والتضحيات الغالية، بعد أن عمدت عام 2005 إلى حل كتائب الأقصى، الذراع العسكري لحركة فتح.

لقد نجحت المقاومة الفلسطينية المسلحة، بتصديها البطولي للعدوان، وثباتها في خنادق القتال، وعلى محاوره المختلفة، في زرع الرعب في قلوب الإسرائيليين وقادتهم السياسيين والعسكريين، وإرغام مئات الآلاف من الإسرائيليين الإحتماء بالملاجيء والأماكن الحصينة، كما نجح الشعب الفلسطيني بصموده وتضحياته وإلتفافه حول المقاومة في خلق مساحة ضغط على السلطة الفلسطينية لتتراجع عن سياساتها الخاطئة، وتبني مطالب المقاومة والشعب الفلسطيني.

إن تضافر هذه الأمور أفضى إلى التراجع عن مشروع «الوفد المقلص» لصالح «الوفد الفلسطيني الموحد» الذي ضم في صفوفه ممثلي الفصائل الفلسطينية المقاتلة: حماس (القسام)، الجهاد (سرايا القدس)، الجبهة الديمقراطية (كتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية)، الجبهة الشعبية (كتائب الشهيد أبو علي)، كما إنضم إليه ممثل عن السلطة مستفيداً من الموقع الذي تحتله السلطة في الخارطة السياسية. إن رضوخ السلطة لضغوط المقاومة وإنجازاتها، ولضغوط الشعب الفلسطيني وصموده، لم يعنِ على الإطلاق أنها غادرت مشروعها السياسي الفئوي، لصالح المشروع الفلسطيني الوطني الموحد، بل إن ما قامت به، جرى بالأساس تحت ضغط الأحداث الجسام التي شهدها قطاع غزة، وتحت ضغط المقاومة وبطولاتها، وصمود الشعب وتماسك مواقفه والتفافه حول فصائل المقاومة في الميدان.

إن الواجب الوطني يفترض إجراء مراجعة بناءة لأداء المقاومة المتقدم، ولأشكال الصمود الشعبي الأسطوري في مواجهة العدوان الإسرائيلي. ولعل القضية الأشد بروزاً على السطح في اللحظة الراهنة هي كيفية العمل على تطوير الوحدة الميدانية لفصائل المقاومة، إلى وحدة أرقى وأكثر تقدماً، بما يطور الأداء القتالي للمقاومة، ويعزز العلاقات الوطنية الداخلية، كما يعزز من إلتفاف الشعب حول مقاومته. لقد أكدت التجربة ضرورة بناء جبهة مقاومة وطنية متحدة، تجمع تحت راياتها الأذرع العسكرية كافة للفصائل الفلسطينية، وتضع الأساس السليم لشراكة وطنية متقدمة، وتقوم على مبدأ «شركاء في الدم.. شركاء في القرار»، بحيث تضع حداً لسياسة الاحتكار، والاقصاء، وسياسة حصر الصلاحيات بيد طرف دون آخر، وتحويل المقاومة، في بعض الأحيان، إلى أمر تكتيكي في خضم المناكفات السياسية تحت سقف الانقسام الذي دام أكثر من سبع سنوات عجاف.

إن تشكيل جبهة المقاومة الوطنية المتحدة، في القطاع، وبمرجعية سياسية موحدة، من شأنه أن يعزز من الوحدة في الخندق، وأن يعزز إمكانيات الصمود، وإلحاق الخسائر بالعدو وتخفيفها في صفوف الشعب الفلسطيني، وأن يوطد إلتفافه حول المقاومة، كما من شأنه أن يعزز إلتفاف الحالة الشعبية العربية والقوى المحبة للسلام في العالم، حول نضال الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية. إن جبهة للمقاومة الفلسطينية متحدة، ذات مرجعية سياسية موحدة، تعتبر خطوة هامة نحو بلورة المرجعية الوطنية لقرار «الحرب والسلم» تحت مظلة الوحدة الوطنية و م.ت.ف الائتلافية

(4)

إتفاق 26/9/2014 الثنائي.. آفاق النجاح

ما أن توقف إطلاق النار، بموجب إتفاق 27/8/2014، حتى عادت الحرب الإعلامية لتنشب بين حركتي فتح وحماس، تتبادلان خلالها الاتهامات بانتهاك «إتفاق الشاطئ» الذي تم توقيعه في 23/4/2014، وعلى أساسه أعلن إسماعيل هنية نائب رئيس المكتب السياسي لحماس إنتهاء الانقسام، وإنطلاق مسيرة إستعادة الوحدة الداخلية، وخروج حكومته لصالح حكومة توافق وطني شكلها الدكتور رامي الحمدالله؛ وفي هذا السياق نسجل ما يلي:

فتح إتهمت حماس بأنها تعرقل عملية إستعادة الوحدة وإنهاء الانقسام، عبر إصرارها على الإمساك بالأوضاع في قطاع غزة، من خلال حكومة ظل خاصة بها، تدير شؤون القطاع من تحت الطاولة وتمنع على حكومة رام الله ممارسة صلاحيتها الإدارية والأمنية وسواها. كما اتهمتها بأنها فرضت الإقامة الجبرية على كوادر فتح ومناصريها في القطاع طوال الحرب الإسرائيلية. كذلك اتهمتها بأنها تتبع سياسة عملية تعطل المصالحة، وتبقي الانقسام على ما هو عليه، وتحول حكومة رامي الحمدالله إلى مجرد طربوش تتغطى به أمام الجانب المصري، لفتح معبر رفح، وأمام الحالة العربية لتجاوز سياستها الإقليمية المرتبطة بالتنظيم الدولي للأخوان المسلمين؛ بل ذهبت فتح أبعد من ذلك حين حمّلت حماس مسؤولية تفجير الوضع في القطاع، وتوفير الذرائع للعدوان الإسرائيلي، وتعطيل المبادرة المصرية ما أدى إلى تمديد الحرب إلى واحد وخمسين يوماً، بينما كان من الممكن الوصول إلى إتفاق بوقف إطلاق النار، وبذات الشروط، بعد أسبوعين فقط من إندلاع القتال وبدء الحرب الإسرائيلية ضد القطاع. أما الرئيس محمود عباس – محقاً - فلم يكن أقل توتراً في مواقفه إزاء حماس، خاصة بعد إعتراف أحد قادتها، صالح العاروري، المقيم في تركيا، بمسؤولية حماس عن إختطاف وقتل المستوطنين الثلاثة، بعد أن كان خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي قد نفى مراراً وتكراراً مسؤولية حركته عن هذه العملية.

حماس، بدورها، إتبعت تكتيكات تبرير إنفرادها بالقرار السياسي، قرار «الحرب والسلم» ورفض المبادرة المصرية والرد على إتهامات فتح، من خلال تأكيدها على التمسك باتفاق الشاطئ، وإنهاء الانقسام، وإستعادة الوحدة الداخلية، وتحميل حكومة الحمدالله مسؤولياتها نحو القطاع، نافية أن تكون «حكومتها» تدير الأمور من تحت الطاولة، داعية، في السياق، إلى تأمين رواتب 46 ألف موظف محسوبين على حماس، ورثتهم حكومة الحمدالله عن حكومة هنية، متبنية ضرورة الإسراع بإعادة إعمار قطاع غزة، خاصة وأن المعونات قد بدأت تصل إلى حكومة رام الله. وأبدت حركة حماس إستعدادها لتسهيل عودة حكومة رام الله إلى القطاع، نافية عن نفسها أية مسؤولية عن توفير الذرائع للعدوان. وبوساطة قطرية، تم الاتفاق على إستئناف الحوار بين الجانبين، في لقاء عقده وفدا الحركتين في القاهرة في 24/9/2014 إنتهى إلى إعلان التفاهم على استئناف تطبيق إتفاق الشاطئ، في بيان ثنائي صدر عنهما في 26/9/2014.

لم يكن مفاجئاً أن يتوصل الطرفان إلى «حل» للقضايا العالقة بينهما والتي سبق وأن تم الاتفاق عليها في مخيم الشاطئ في غزة؛ فلفتح مصلحة في الوصول إلى هذا الاتفاق يعيد - كما تتوقع - نفوذها الضائع في القطاع على يد حماس، مدركة أن المدخل لذلك، بما في ذلك إعادة بناء الحالة الفتحاوية فيه، هو في عودة السلطة ممثلة بحكومة الحمدالله، إلى ممارسة دورها وإدارة الوزارات والمؤسسات الخدمية. وبالتالي فإن البند المتعلق بتمكين حكومة الحمدالله من أداء دورها، يأخذ شكل التوافق، لكنه في حقيقته سيأخذ، في التطبيق، شكل التزاحم والتنافس على النفوذ، وعلى دور كبار الموظفين في إنتماءاتهم الحركية الفتحاوية والحمساوية، بإدارة المؤسسات والدوائر الرسمية.

لفتح، أيضاً، مصلحة في إستعادة الدور الأمني للأجهزة الرسمية، خاصة بعد أن أعيدت صياغتها، خلال سنوات الانقسام، بحيث باتت كلها، في القطاع، ذات طابع حمساوي، كما هي في الضفة ذات طابع فتحاوي. وتدرك فتح أن عودة نفوذها إلى الأجهزة الأمنية معناه فك وإعادة تركيب وترتيب هذه الأجهزة من أجل «إعادة التوازن» لنكهتها الفصائلية التي تنسجم وطابع السلطة الفلسطينية والنفوذ الحزبي (أي نفوذ فتح) المهيمن عليها. ويدرك الطرفان أن هذا المسار سوف يكون شديد التعقيد، بل ربما سيكون مساراً تعجيزياً، خاصة وأنه هو بالضبط الذي أدى إلى ما أدى إليه (إنقلاب حماس) في حزيران (يونيو) من العام 2007. ومن شأن هذا البند أن يزرع طريق المحاصصة الثنائية مرة أخرى، على خلفية كل طرف، وتطلعاته الفئوية، بالألغام والاحتكاكات والحساسيات، بل وربما بشكل من أشكال الصدامات المحدودة إلى أن تأخذ الأمور شكلها الجديد وتستقر على حال من الأحوال.

ولفتح، كما تعتقد، مصلحة في تولي ملف إعادة الإعمار، خاصة بعد أن توصلت، من خلال السلطة، إلى إتفاق بهذا الشأن مع الأمم المتحدة والجانب الإسرائيلي، ينظم آليات إدخال مواد الإعمار عبر معبر كرم أبو سالم، كما ينظم آليات توزيع هذه المواد. لذا كان من الضروري، وفق إعتقاد فتح، الوصول إلى إتفاق حول دور السلطة في هذا الأمر، وتحت هذا السقف يمكن عندئذ الحديث عن إحتمال نجاح مؤتمر الإعمار في 12/10/2014 برعاية مصرية - نرويجية مشتركة، في حشد العدد الأكبر من الدول، وتوفير أكبر قدر ممكن من وعود التمويل. كل هذا تعتقد فتح أنه سيشكل ميداناً لها لاستعادة نفوذها في القطاع من خلال تصدرها عملية إعادة الإعمار، عبر دور الحكومة.

أما حماس فقد وجدت مصلحتها - أولاً - في حل مشكلة موظفيها البالغ عددهم 46 ألفاً، والذين توقفت عن دفع روايتهم منذ أشهر، رغم أن عودتهم إلى الإدارة تعني إتخام الإدارة بهذا العدد الضخم من الموظفين، الكثير منهم له بديله في الترتيب الإداري. مثل هذه الخطوة، وكما هو متوقع، ستضع الإدارة أمام إزدواجية وظيفية وستكون أمام حمل مالي ثقيل يتعارض والدعوة إلى إعادة النظر بالسياسة الاقتصادية والمالية للسلطة في الضفة وقطاع غزة، لصالح إعتماد سياسة تعزيز الصمود في وجه الاحتلال بعيداً عن الهدر والتبذير، وحشد الموظفين في الإدارة لأسباب فئوية وإنتخابية وزبائنية. إن مثل هذا الحشد الحمساوي في إدارة القطاع، سوف يضمن لحماس نفوذها السلطوي الإداري والخدمي والأمني حتى ولو كانت خارج التمثيل الوزاري في الحكومة الفلسطينية، أو محدودة التمثيل فيه.

الاتفاق، وبالصيغة التي تم التوصل إليها شكل محاولة للتعبير المتوازن عن مصالح الطرفين. وليست هي المرة الأولى التي يلتقي فيها الطرفان على إتفاق ما، ثم يفشلان في تنفيذه بشكل متوازن. فلقد أثبتت التجارب المرة، إن الاتفاقات الثنائية بين الطرفين فشلت في توفير الحلول المطلوبة للقضايا الوطنية، السياسية، والاجتماعية وسواها. فلقد إلتقى الطرفان على إتفاق الشاطئ الذي عقد بين وفد م.ت.ف وبين حماس، لصالح إتفاق ثنائي فشلا في تطبيقه. وها هما الآن يكرران التجربة ذاتها، تجمعهما سياسة الاستقطاب الثنائي، واحتكار القرار الوطني والاستفراد به، وتجاوز البديل الصحيح المتمثل في الحوار الوطني الشامل الذي نجح، في بناء أربعة إتفاقات وطنية (2005/ 2006/ 2011/ 2013) عطلها الطرفان، بتغليب كل منهما مشروعه الفئوي، على المشروع الوطني الفلسطيني الموحد، وباستقواء كل من الطرفين بتحالفات إقليمية، تخدم مشروع كل منهما، بدلاً من تبني المشروع الوطني الفلسطيني الموحد، وإعادة تقديم الحالة الفلسطينية تحت سقف هذا المشروع إلى الحالتين العربية والدولية، وتقصير المسافة الضرورية للوصول إلى تسوية متوازنة تضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وتعفيه من تقديم المزيد من التضحيات والآلام والدم والدموع، في معارك ونزاعات داخلية، على خلفيات فئوية، تعطل السير إلى الأمام، وتفتح في جدار الصمود الفلسطيني ثغرات وفجوات، تمكن العدو من إتباع سياسات وتكتيكات، هدفها قطع الطريق على حقوق الشعب الفلسطيني.

إن الهيئة الوطنية العليا (اللجنة العليا لتفعيل م.ت.ف) التي تضم في إطارها أعضاء اللجنة التنفيذية ورئيسها، والأمناء العامين للفصائل الفلسطينية كافة، ورئيس المجلس الوطني، وشخصيات مستقلة، هي الهيئة الوطنية المعنية ببلورة الحلول للقضايا المطروحة بإلحاح على جدول أعمال الحركة الوطنية، وهي الجديرة بأن تقدم الإجابات الضرورية على السؤال الاستراتيجي «ماذا بعد غزة»، خاصة في ظل إعتراف السلطة الفلسطينية في رام الله بفشل مشروعها التفاوضي الفئوي تحت الرعاية الأمريكية وإعلان خطاب رئيس السلطة في الأمم المتحدة (26/9/ 2014) بأنها مفاوضات عقيمة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى إعتراف حركة حماس بفشل مشروعها الانقسامي الفئوي في قطاع غزة، وبحث الطرفين، كل من موقعه، عن الحل البديل.

أمام فشل المشروعين الفئويين لفتح وحماس، لا تشكل مباحثات القاهرة الثنائية، ولا إتفاق 26/9/2014 الحل البديل، الذي لا يمكن أن يجترحه سوى القيادة الوطنية العليا، التي أبدعت 4 مشاريع وطنية جامعة منذ العام 2005، وهي الأقدر، وهي الأكفأ على وضع البرنامج الوطني الفلسطيني الموحد، إستكمالاً لمشاريعها السابقة لأنها – أي الهيئة الوطنية العليا – وبحكم تكوينها هي الإطار الفلسطيني القائم على ما يفترض أن يضمن مبدأ الشراكة الوطنية

(5)

النظام العربي الرسمي.. الخذلان

طوال فترة التصدي للحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة، ساد صفوف الشعب الفلسطيني ومقاومته إحساس بالخذلان العربي الرسمي، وغياب الدول العربية وتقاعسها، وإحجامها عن القيام بأي دور فعال، سياسي، أو دبلوماسي أو معنوي، يصب في خدمة تعزيز الصمود وتعزيز القدرة على رد العدوان؛ بل إن بعض المحاور العربية - الإقليمية، كالمحور القطري - التركي، لعب دوراً سلبياً نحو القطاع، من خلال التشويش على الدور المصري، وعلى دور الوفد الفلسطيني الموحد، وتعميق الشرخ القائم بين القاهرة من جهة، وحركة حماس من جهة أخرى، والذي إنعكست سلبياته ضرراً فادحاً على المصلحة الوطنية الفلسطينية.

ومما لاشك فيه أن الدور السلبي الذي لعبته السلطة الفلسطينية في ردود فعلها على الممارسات الإسرائيلية في الضفة والقدس، وعلى إنتقال الحرب العدوانية إلى قطاع غزة، وفّر الأجواء المناسبة، والذرائع الضرورية لحالة الخذلان العربي الرسمية، وبرر لبعض العواصم العربية سياساتها السلبية إزاء الشعب الفلسطيني، حتى أن نتنياهو، على حد قوله، وجد نفسه، وبعض هذه السياسات العربية في موقع متقارب وتفاهم موضوعي وضمني.

صحيح أن المبادرة المصرية، في طبعتها الأولى، لم ترتقِ إلى مستوى الحدث، رغم أنها صيغت بالتشاور مع فريق السلطة في رام الله، لكن الصحيح أيضاً أن سياسة حكيمة، تأخذ بالاعتبار مصالح الشعب الفلسطيني، نجحت في تطوير هذه المبادرة من خلال السياسات المسؤولة التي إعتمدتها الفصائل الفلسطينية في مواجهة السياسة الفئوية المحورية التي اتبعتها حركة حماس، في محاولة منها لتغليب دور المحور القطري - التركي - الإخواني، على الدور المصري، الذي يلبي، بخصوصيته التاريخية والراهنة السياسية والجغرافية، حاجة فلسطينية موضوعية. لقد نجح الوفد الموحد، بسياسته الوطنية، واستناده إلى صمود أسطوري لا يضاهى للشعب في القطاع، والضفة، والقدس، وإلى أداء متميّز للمقاومة المسلحة في القطاع، في تطوير المبادرة المصرية، بحيث إستجابت في بنودها للمطالب الفلسطينية كما صاغتها المقاومة، وإلتف حولها الشعب، وتبنتها السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف.

أثبتت الوقائع الدامغة ليوميات البطولة والصمود في القطاع وباقي المناطق الفلسطينية المحتلة أن الشعب الفلسطيني، بتصديه للعدوان الإسرائيلي، ورفضه رفع الرايات البيضاء، وتشبثه بأرضه، نجح مرة أخرى في إستنهاض الحالة الشعبية العربية وعلى رأسها القوى التقدمية والديمقراطية واليسارية، التي تصدرت الصفوف في شوارع العواصم العربية ومدنها الرئيسية. وأثبتت هذه القوى إستعدادها للتفاعل مع نضالات الشعب الفلسطيني، ومعاركه الكفاحية، السياسية والعسكرية، ما دامت هذه النضالات تشكل تعبيراً عن البرنامج الوطني الفلسطيني الموحد، خارج إطار المعارك والنزاعات الفئوية الضيقة. كما أثبت الوقائع أن هذه السياسات هي الكفيلة بتوفير الدعم الحقيقي والفاعل والمثمر للشعب الفلسطيني ونضالاته، في مواجهة سياسة المحاور العربية والشرق أوسطية والدولية التي أدمنت على إدامة وتعميق حالة الانقسام الفلسطيني وتمويله.

كما أثبتت الوقائع الدامغة ليوميات الصمود والمقاومة الفلسطينية، أن المجتمع الدولي، جاهز، بقواه الديمقراطية والليبرالية والمحبة للسلام، للانحياز إلى جانب الشعب الفلسطيني وإدانة السياسات الإسرائيلية الدموية، وسياسة الانحياز الأميركية والغربية للعدوان الإسرائيلي. وما التظاهرات الضخمة التي خرجت في واشنطن ولندن وباريس، وروما وبرلين، ومدريد، وغيرها من العواصم والمدن الغربية إلا دلالة على إستعداد هذه القوى للذهاب مع الشعب الفلسطيني في مشروعه التحرري، مشروع الحرية والاستقلال والعودة.

وفي خضم هذه التظاهرات، أبرزت الجاليات الفلسطينية والعربية والمسلمة قدرتها على القيام بدور متقدم لصالح القضية الفلسطينية، ما يفترض بالدوائر الرسمية الفلسطينية، وبفصائل العمل الوطني الفلسطيني، أن تستخلص من كل هذه التجارب الدروس الضرورية الكفيلة بتطوير العلاقات النضالية والكفاحية مع القوى التقدمية والديمقراطية واليسارية العربية، ومع القوى السياسية الديمقراطية والليبرالية والمحبة للسلام في الغرب، وتوفير العناصر الضرورية في الإرتقاء بدور الجاليات الفلسطينية والعربية والمسلمة في دعم القضية الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني الموحد

(6)

وحدة الشعب.. وحدة الحقوق الوطنية

نجح صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته في قطاع غزة، في توحيد الشعب الفلسطيني في مناطق تواجده كافة. تمثل ذلك في الهبة الجماهيرية التي شهدتها مناطق الـ 48، والمواقف المتقدمة التي عبّرت عنها القوى والأحزاب العربية داخل إسرائيل، وإدانتها العلنية للعدوان، وتنظيمها لمختلف أشكال التحرك الجماهيري تحت سمع وبصر وسائل الإعلام المحلية والدولية، مما جدد وعزز الروابط التي تجمع بين أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وجدد تظهير وحدة حقوقه الوطنية المشروعة في مواجهة المشروع الإسرائيلي الصهيوني، بتجلياته المختلفة.

إن الهبات الشعبية في مناطق الـ 48 تطرح مجدداً على القوى والأحزاب الفلسطينية والعربية في إسرائيل، وعموم فصائل العمل الوطني الفلسطيني، داخل م.ت.ف، وخارجها، ضرورة التوافق على المشروع الوطني الفلسطيني الموحد، باعتباره مشروعاً لعموم الشعب الفلسطيني في مناطق تواجده كافة، مع الأخذ بعين الاعتبار، الخصوصية السياسية والقانونية لكل تجمع، وخصوصية ظروفه النضالية والكفاحية ضد المشروع التوسعي الإسرائيلي الصهيوني.

بدورها شهدت أقطار الشتات وبلدان اللجوء والمهاجر، تحركات شعبية متقدمة تحت سقف المشروع الوطني الموحد للشعب الفلسطيني وصموده في القطاع، ورغم الظروف شديدة التعقيد، التي تشهدها بعض التجمعات الفلسطينية، كما هو الأمر في سوريا ولبنان مثالاً، إلا أن هذا لم يَحُلْ دون الإنخراط في المعركة الواحدة. لقد أثبتت هذه التحركات، مرة أخرى، بما حملته من دروس وعبر، تمسك اللاجئين الفلسطينيين بحقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948، ورفضهم لكل الحلول والمشاريع البديلة، وتمسكهم بمنظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية، وبأهمية تطويرها في رحاب الوحدة الوطنية وعلى قاعدة «شركاء في الدم.. شركاء في القرار»، وتمسكهم بالمقاومة، بكل أشكالها، إلى جانب جميع الأساليب النضالية السياسية والإعلامية والدبلوماسية والجماهيرية، تحت راية المشروع الوطني الفلسطيني الموحد، مشروع الاستقلال والحرية والعودة

(7)

التحالف الأميركي العربي الاقليمي.. الأهداف الحقيقية

يحتدم الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في ظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد، من أبرز معالمها قيام تحالف أميركي – دولي - إقليمي جديد، تحت عنوان التصدي للإرهاب ولتنظيم «الدولة الإسلامية»، وتقديم الولايات المتحدة وحلفائها، باعتبارهم أعداء للإرهاب والتكفيريين، في تجاهل فظ للسياسات الأميركية العدوانية ضد المنطقة وضد شعوبها؛ في مقدمها الشعب الفلسطيني.

إن التصدي للإرهاب بلبوسه الديني التكفيري، كما يقدم نفسه في المنطقة وخارجها، لا يكون بالوسائل العسكرية والأمنية فحسب، ولا يكون بالتحالف مع أنظمة القمع والاستبداد ومدها بكل عناصر القوة للتصدي للمتغيرات التاريخية، وتعطيل مسيرة التطوير والتطور، واتباع سياسات إقتصادية تزيد من إفقار المجتمعات، وتهميش المزيد من شرائحها الاجتماعية، وسد الآفاق أمام أجيال الشباب وأوسع قطاعات المرأة، وهدر الطاقات والثروات القومية والوطنية، وفي بناء جيوش وأجهزة أمنية فشلت في حماية شعوبها ومصالحها القومية، وإقتصر دورها على حماية الأنظمة المستبدة، ومصالح قوى الفساد وأصحاب السياسات الزبائنية.

إن التصدي للإرهاب، واقتلاعه من جذوره، وقطع الطريق على ولادته بأشكال وأساليب متعددة، يكون بالنزول عند مطالب الشعب، ونشر الديمقراطية، والحريات السياسية والفردية، بما فيها حرية بناء الأحزاب، وحرية الرأي والضمير، وحرية التجمع والتظاهر، وإسقاط السياسات الاقتصادية القائمة على النهب والهدر والامتيازات الفئوية، لصالح العدالة الاجتماعية، وتوفير إحتياجات الفئات الفقيرة في الخبز، والغذاء، والدواء، والتعليم، وفرص العمل الشريف، وتطوير الأنظمة التعليمية والتربوية وتخليصها من المفاهيم والأيديولوجيات المتخلفة، والتسلطية، وما يتطلبه ذلك من إصلاح ديني وتجاوز الطائفية والمذهبية وفتاوى العصور الظلامية لصالح برامج منفتحة على الفكر العلمي، والانحناء أمام القيم الكونية الإنسانية، وتخطي التقوقع الفكري، لصالح الانفتاح بديلاً لتكفير الآخرين دينياً، وتخوينهم سياسياً.

إن سياسة تقسيم المجتمع إلى فسطاطين، فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر، أو فسطاط الولاء للحاكم، وفسطاط تخوين الآخرين، إنما يدخل المجتمعات في حروب أهلية لا نهاية لها وصراعات عبثية مكلفة، تفسح المجال للتدخلات الخارجية تحت ستار «مقاومة الإرهاب» و«التدخلات الإنسانية».. الذي، في ظله، بنت الولايات المتحدة حلفها الجديد في المنطقة.

إن كل أشكال التعمية الأيديولوجية والتغطية الإعلامية الخارجية للتحالف الإقليمي والدولي الجديد بقيادة واشنطن لن تنجح في التمويه على أهدافه الحقيقية المتمثلة بالمشروع الأميركي الأصلي لإعادة صياغة الأوضاع السياسية والجغرافيا السياسية في منطقتنا العربية، بما يضمن للولايات المتحدة الحفاظ على مصالحها الإمبريالية المكشوفة والمتمثلة في «صون أمن إسرائيل» وضمان تفوقها على الفلسطينيين ومجمل الحالة العربية والإقليمية، ودوام السيطرة على أسواق النفط المحلية والدولية، والإمساك بطرق المواصلات، وإبقاء الاقتصادات العربية في حالة تبعية للاقتصاد الأميركي، ما يبقي المنطقة سوقاً إستهلاكية للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين